غزة – الصحفية آمنة الدبش/ فلسطين24
في صباح السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت غزة تستيقظ على يوم يشبه أيامًا كثيرة سبقته؛ أطفال يتجهون إلى مدارسهم، طلاب إلى جامعاتهم، عمال يبحثون عن أرزاقهم، صيادون يخرجون إلى البحر، وعائلات تحاول أن تصنع حياة طبيعية داخل بقعة صغيرة أنهكها الحصار والأزمات المتراكمة.
لم يكن أحد يتخيل أن الساعات التالية ستفتح فصلًا سيغير وجه القطاع وحياة أكثر من مليوني إنسان.
بعد ثلاثة أعوام، لم تعد غزة التي عرفها سكانها هي نفسها. تغيرت ملامح المدن والمخيمات، دُمرت أحياء، واختفت بيوت ومدارس ومنشآت، وتضررت المستشفيات، ونزحت عائلات مرات متكررة، فيما أصبح الحصول على الماء والطعام والمأوى والعلاج جزءًا من معركة يومية للبقاء.
هذا التحول لم يكن عمرانيًا فقط؛ فقد امتد إلى علاقة الإنسان بالمكان، وإلى التعليم والصحة والعمل والاقتصاد والحياة الاجتماعية، وحتى إلى قدرة العائلة على التفكير في اليوم التالي.
غزة قبل الحرب.. حياة تحاول الاستمرار
على مساحة لا تتجاوز 365 كيلومترًا مربعًا، عاشت غزة واحدة من أعلى الكثافات السكانية في العالم.
ومن الخارج قد تبدو مساحة صغيرة ومحاصرة، لكن داخلها كانت حياة كاملة: أحياء ومخيمات وأسواق، مدارس وجامعات، مستشفيات وورش ومصانع، أراضٍ زراعية، شاطئ وصيادون، وبيوت تحمل قصص عائلات وأجيال متعاقبة.
لم تكن الحياة سهلة قبل الحرب. فمنذ تشديد الحصار عام 2007، عاش السكان تحت قيود مشددة على حركة الأشخاص والبضائع، فيما أثرت القيود على التجارة والعمل والوصول إلى الأسواق والموارد.
وفي منتصف عام 2023، كان نحو 64% من سكان القطاع يعيشون تحت خط الفقر، بينما ظل الاقتصاد يعاني البطالة والهشاشة والقيود المتراكمة.
ورغم ذلك، كانت الحياة مستمرة.
في عام 2022، خرجت من غزة 7,530 شاحنة محملة بالسلع والمنتجات، بزيادة بلغت 66% عن العام السابق، واتجهت 77% منها عبر الجانب الإسرائيلي، بينما خرج الباقي إلى مصر.
وتصدرت المنتجات الزراعية حركة التصدير، إلى جانب الملابس والأثاث وبعض المنتجات الصناعية.
وفي يونيو/حزيران 2023 وحده، خرجت 397 شاحنة من القطاع تحمل الخضروات والمنسوجات والأسماك ومنتجات أخرى إلى أسواق خارج غزة، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "OCHA".
كانت تلك الأرقام تعكس اقتصادًا مثقلًا بالقيود، لكنه ما زال يحاول العمل والإنتاج.
ثم جاء السابع من أكتوبر، فتوقفت هذه الدورة بصورة شبه كاملة، وانتقلت الأولويات من الإنتاج والعمل والتجارة إلى البحث عن أبسط مقومات البقاء.
مدارس تحولت إلى ملاجئ
كان التعليم واحدًا من أكثر القطاعات حضورًا في الحياة اليومية للغزيين.
قبل الحرب، كان في القطاع 796 مدرسة تضم 608,364 طالبًا وطالبة، إلى جانب 17 مؤسسة للتعليم العالي يلتحق بها نحو 87 ألف طالب.
لكن المدرسة التي كانت تستقبل الأطفال كل صباح تغيرت وظيفتها خلال الحرب.
حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2024، كانت 122 مدرسة وجامعة قد دُمرت بالكامل و334 أخرى تضررت جزئيًا، فيما دُمر 31 مبنى جامعيًا بالكامل وتضرر 55 مبنى آخر.
ومع استمرار الحرب، اتسعت الخسارة.
وبحلول أبريل/نيسان 2026، كان نحو 700 ألف طفل بين الرابعة والسابعة عشرة قد أمضوا قرابة ثلاثة أعوام خارج التعليم الحضوري، فيما تضرر نحو 98% من مباني المدارس، وأصبح أكثر من 93% منها بحاجة إلى إعادة تأهيل كبير أو إعادة بناء كامل، بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف".
ولم يعد المشهد داخل كثير من المدارس يشبه ما كانت عليه سابقًا.
غابت المقاعد والحقائب المدرسية في بعض المواقع، وحلت مكانها فرشات وأمتعة عائلات نازحة. وأصبحت ساحات كانت تضج بأصوات الطلبة أماكن للطهي وغسل الملابس ومحاولة تأمين مساحة للنوم.
وفي الجامعات، تحولت بعض المساحات التي كانت تمتلئ بالطلاب والمحاضرات والامتحانات إلى مواقع للنزوح والخيام.
لم تخسر غزة مباني تعليمية فقط؛ بل خسر مئات آلاف الأطفال والشباب المكان الذي كان يفترض أن يقودهم إلى المستقبل.
مستشفيات تقاوم الانهيار
لم يكن المشهد الصحي أقل قسوة.
قبل الحرب، كان في غزة 36 مستشفى تضم نحو 3,500 سرير، إضافة إلى شبكة من مراكز الرعاية الأولية التي تخدم أكثر من مليوني نسمة.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، لم يعد يعمل سوى 14 مستشفى، فيما انخفض عدد الأسرّة المتاحة إلى نحو 1,400 سرير.
ومع امتداد الحرب، تضررت المستشفيات الستة والثلاثون بدرجات مختلفة، وبحلول سبتمبر/أيلول 2026 لم يعد يعمل سوى 19 مستشفى، ولو بصورة جزئية، ولم يكن أي مستشفى يعمل بكامل طاقته، وفق منظمة الصحة العالمية.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه قدرة القطاع الصحي، تضاعفت الحاجة إليه.
أعداد كبيرة من الجرحى، ونقص في الأدوية والمستلزمات والوقود، وضغط هائل على الطواقم الطبية، إلى جانب تهديد خدمات أساسية مثل علاج السرطان وغسيل الكلى ورعاية الأمهات وحديثي الولادة.
كما خرج آلاف المصابين من الحرب بإصابات غيرت حياتهم بصورة دائمة، بينهم من فقدوا أطرافهم ويحتاجون إلى خدمات تأهيل وأطراف صناعية لا تتناسب الإمكانات المتاحة منها مع حجم الاحتياج.
وهكذا تغير السؤال بالنسبة لكثير من العائلات من: أين المستشفى؟ إلى: هل يوجد سرير؟ وهل يتوفر الطبيب والدواء والوقت الكافي لإنقاذ المصاب؟
النزوح.. حين أصبح البحث عن الماء جزءًا من اليوم
الحرب لم تسلب الناس بيوتهم فقط، بل غيرت أبسط تفاصيل يومهم.
نحو 1.9 مليون شخص اضطروا إلى ترك أماكنهم، وكثيرون منهم نزحوا مرات متعددة، فيما تضررت أو دمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، وبات أكثر من 1.2 مليون شخص بلا مساكن، بحسب "OCHA".
ومع فقدان البيوت والبنية التحتية، أصبح الحصول على الماء رحلة يومية.
نحو 75% من سكان غزة باتوا يعتمدون بصورة أساسية على المياه المنقولة بالشاحنات، وفي صيف 2026 كان 90% من السكان يواجهون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى المياه الآمنة للشرب والطبخ والنظافة.
وفي تقييم أُجري خلال ربيع 2026، كانت 63% من الأسر المشمولة تحصل على أقل من ستة لترات من مياه الشرب للفرد يوميًا.
الطعام أيضًا لم يعد مرتبطًا فقط بما تستطيع الأسرة شراءه، بل بما يصل أصلًا إلى الأسواق ومراكز المساعدات.
وخلال صيف 2026، ظل نحو 1.2 مليون شخص، أي قرابة 59% من سكان القطاع، يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي عند مرحلة الأزمة أو أسوأ، واعتمدت أعداد كبيرة من العائلات على المساعدات والمطابخ المجتمعية والخبز المدعوم.
أصبح جمع الماء مهمة يومية، والحصول على الطعام انتظارًا طويلًا، فيما ارتبط الطبخ والنظافة بما يمكن العثور عليه من ماء ووقود.
أشياء كانت جزءًا طبيعيًا من الحياة أصبحت إنجازًا يوميًا.
أرقام تختصر حجم التحول
بعد ثلاثة أعوام، تكشف الأرقام جانبًا من حجم ما جرى، لكنها لا تستطيع أن تروي القصة كاملة.
بحسب الأرقام الواردة في التقييمات التي يستند إليها هذا التقرير، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في غزة 71 ألفًا، وأصيب أكثر من 171 ألفًا، بينما بقي آخرون في عداد المفقودين تحت الأنقاض.
ووصل حجم الأضرار المادية إلى نحو 35.2 مليار دولار، بعدما امتد الدمار إلى السكن والصحة والتعليم والتجارة والزراعة والبنية التحتية.
وتضررت أو دمرت أكثر من 371 ألف وحدة سكنية، فيما تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى تضرر أو تدمير نحو 92% من مباني غزة.
وخلفت الحرب عشرات الملايين من الأطنان من الركام، إلى جانب أضرار واسعة في الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والطاقة والمنشآت التجارية والصناعية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة الواردة في التقرير إلى تراجع مستوى التنمية البشرية في القطاع بما يعادل نحو 77 عامًا.
لكن خلف كل هذه الأرقام حياة لا يمكن قياسها بالدولار أو نسب الدمار.
وقف إطلاق النار.. لكن الخوف لم يتوقف
حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تعد غزة إلى حالة الأمان التي ينتظرها سكانها.
استمرت الغارات وإطلاق النار والعمليات العسكرية، فيما يشير التقرير إلى توثيق الأمم المتحدة استمرار الضربات في مناطق مكتظة بالسكان، وتسجيل مقتل أكثر من 1,400 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار.
وفي نهاية سبتمبر/أيلول 2026 وحده، أفادت الأرقام الواردة في التقرير بمقتل 29 فلسطينيًا وإصابة 147 آخرين خلال أسبوع واحد.
وهنا يظهر أحد أكثر التحولات قسوة: أن توقف الحرب على الورق لا يعني بالضرورة انتهاء الخوف في حياة الناس.
فعائلات كثيرة ما زالت تعيش في خيام أو مبانٍ متضررة، وأخرى لا تعرف إن كان المكان الذي نزحت إليه سيبقى آمنًا، فيما يظل احتمال التصعيد حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
ولذلك أصبح الأمن أكثر من قضية سياسية أو عسكرية؛ إنه الشرط الأول لإعادة الحياة.
فلا إعادة إعمار حقيقية دون أمان، ولا مدرسة تستطيع استعادة دورها، ولا مستشفى يستطيع العمل بصورة طبيعية، ولا عائلة تستطيع أن تبدأ من جديد وهي تخشى فقدان ما تبقى لها.
ثلاثة أعوام.. والإنسان خلف الرقم
في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، لا يمكن اختصار السنوات الماضية بعدد القتلى أو المصابين أو المباني المدمرة.
فخلف كل رقم إنسان وقصة.
بيت كان مفتوحًا فأصبح ركامًا، طفل خرج من مدرسته ولم يعد إليها، طالب توقفت جامعته، مريض بحث عن دواء، وأم اضطرت إلى حمل ما تبقى من حياة عائلتها في حقيبة والنزوح إلى مكان آخر.
جيل من أطفال غزة كبر وهو يعرف معنى النزوح قبل أن يعرف المدرسة بصورة طبيعية، وعائلات أعادت ترتيب حياتها مرات عدة كلما تغيرت خريطة الخطر، وشباب دخلوا الحرب وهم يفكرون في الدراسة والعمل والزواج، ثم أصبح أقصى ما يبحثون عنه مكان آمن وماء وطعام.
قد تستطيع إعادة الإعمار يومًا أن تعيد بناء شارع أو مدرسة أو مستشفى أو منزل.
لكنها لن تعيد السنوات التي عاشها الأطفال بعيدًا عن مدارسهم، ولن تعيد الأشخاص الذين غابوا، ولا البيوت بما حملته من ذكريات، ولا السنوات التي مرت بينما كان الناس يحاولون النجاة.
بعد ثلاثة أعوام، لم يعد السؤال في غزة فقط:
كيف يمكن إعادة بناء ما تهدم؟
بل أصبح السؤال الأكبر:
كيف يمكن إعادة الحياة إلى مكان تغير فيه كل شيء؟
وربما تبدأ الإجابة من أبسط ما يبحث عنه أهل غزة: أن يعيش الإنسان يومه دون خوف، وأن يعرف أن بيته سيبقى بيتًا، وأن المدرسة ستظل مدرسة، وأن المستشفى سيبقى مكانًا للعلاج، وأن يكون بمقدور الطفل أن يفكر في مستقبله بدلًا من أن يتعلم أولًا كيف ينجو.
بعد ثلاثة أعوام من الحرب، غزة لا تحتاج إلى إعادة بناء ما دُمّر فقط؛ بل تحتاج إلى فرصة حقيقية كي تعيش من جديد.





