وثقت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في الضفة الغربية خلال الأسابيع الأخيرة، مجموعة من الاعتداءات استهدفت الأشجار والأراضي والثمار، واتخذت هذه الاعتداءات أشكالا متعددة، تراوحت بين اقتلاع مئات أشجار الزيتون وتجريف الأراضي، وإصدار أوامر عسكرية تستهدف إزالة الأشجار والغطاء النباتي، وسرقة الثمار قبل اكتمال نضجها، وتكسير الأشجار، وإطلاق المواشي داخل الأراضي الزراعية.
وتكشف الوقائع التي وثقتها المنظمة عن نمط متزامن من الضغط على المزارعين الفلسطينيين في الفترة التي تسبق موسم الزيتون وأثناء بدايته.
ففي 24 سبتمبر، اقتلعت جرافات الاحتلال أكثر من 400 شجرة زيتون في بلدة بيت ريما شمال غرب رام الله، بعد تجريف نحو 31 دونما من أراضي المواطنين. وجاءت العملية بعد يومين من إصدار أمر عسكري استهدف منطقتين في البلدة، وقضى بإزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون والأشجار الأخرى.
ولم تكن بيت ريما حالة منفردة، ففي 27 سبتمبر، أصدرت سلطات الاحتلال أمرا عسكريا جديدا، حمل الرقم 98/26، يستهدف 56.026 دونما من أراضي كفر مالك شمال شرق رام الله، ويقضي بإزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون، بذريعة اتخاذ ما وصفه الأمر “وسائل أمنية”. ووفق المعطيات المنشورة، تقع الأراضي المستهدفة بمحاذاة الطريق رقم 449، ويمنح الأمر أصحابها مهلة محددة لتنفيذ الإزالة، مع إتاحة تقديم اعتراض خلال سبعة أيام بعد الجولة الميدانية.
كما وثقت المنظمة قيام جرافات الاحتلال، في 27 سبتمبر، بتجريف واقتلاع عشرات أشجار الزيتون قرب قرية حداد في محافظة جنين، في سياق متصل بالعمليات التي تستهدف الأراضي الزراعية في المنطقة.
وتأتي هذه الوقائع بعد أوامر عسكرية أخرى صدرت في محافظة جنين ورام الله، استهدفت إزالة الأشجار والغطاء النباتي من مساحات واسعة. ففي 22 سبتمبر، أعلن عن ثلاثة أوامر عسكرية استهدفت نحو 339 دونما، بينها 128 دونما من أراضي جنين وقباطية و31 دونما في بيت ريما.
سرقة الثمار قبل أن يصل المزارع إليها
في موازاة اقتلاع الأشجار بأوامر عسكرية أو بواسطة الجرافات، وثقت منظمة البيدر سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت الثمرة نفسها.
ففي 24 سبتمبر، وثقت المنظمة قيام عصابات المستوطنين بسرقة ثمار الزيتون من عدد من أراضي المواطنين الممتدة بين بلدة سنجل وترمسعيا شمال رام الله، رغم أن الثمار لم تكن قد وصلت إلى مرحلة النضج الكامل.
وفي 28 سبتمبر، وثقت سرقة ثمار الزيتون من أراض فلسطينية في سنجل وترمسعيا، كما وثقت سرقة ثمار الزيتون من أراضي أم صفا شمال غرب رام الله، ومنطقة وادي الزيتون، ثم من أراضي خربة مسعود جنوب جنين، حيث دخل المستوطنون إلى الأراضي برفقة جرارات زراعية وقاموا بسرقة المحصول.
كما وثقت المنظمة سرقة ثمار الزيتون من أراضي المواطنين في روجِيب، جنوب شرق نابلس، في اعتداء وقع قبل أيام من إعداد هذا التقرير.
وتشير هذه الوقائع إلى أن الاستهداف لا ينتظر بالضرورة اكتمال الموسم، إذ أن سرقة الثمار وهي على الأشجار تحرم أصحاب الأرض من جزء من العائد المتوقع قبل وصولهم إلى حقولهم، بينما تؤدي سرقة المحصول بعد قطافه إلى فقدان دخل كان يفترض أن يعود إلى الأسر الزراعية.
ووثقت منظمة البيدر كذلك اعتداءات على أشجار الزيتون وثمارها في مناطق أخرى. ففي قرية كيسان شرق بيت لحم، وثقت المنظمة قيام مستوطنين مرتبطين بالبؤر الاستيطانية في التلال الرعوية بسرقة وقطف ثمار الزيتون وتكسير عدد من الأشجار في أراضي المواطنين. وفي قرية فقوعة بمحافظة جنين، وثقت المنظمة اعتداءات مماثلة شملت قطف وسرقة الثمار وتكسير عدد من أشجار الزيتون. كما وثقت المنظمة قيام مستوطنين بمهاجمة أراضي المواطنين وسرقة ثمار الزيتون في سنجل، في سلسلة اعتداءات تزامنت مع اقتراب موسم القطاف وبدايته.
وتأتي هذه الوقائع ضمن نمط أوسع من الاعتداءات التي تشمل سرقة الثمار، وقطع الأشجار أو اقتلاعها، وإحراقها، والاستيلاء على المحاصيل أو منع المزارعين من الوصول إليها. وقد وثقت مصادر محلية في الأيام الأخيرة اعتداءات مماثلة في أم صفا، سنجل، ترمسعيا وخربة مسعود وبيتا.
المواشي كوسيلة لإتلاف الأشجار والمحاصيل
شكل آخر من الاعتداءات التي وثقتها المنظمة يتمثل في إدخال المواشي إلى الأراضي الزراعية.
ففي 27 سبتمبر، أطلق مستوطنون مواشيهم بين أشجار الزيتون في كفر مالك شرق رام الله، مما أدى إلى إلحاق أضرار بالأشجار. كما وثقت المنظمة إطلاق المواشي داخل أراضي المواطنين في تل ماعين شرق يطا جنوب الخليل وبرقا شرق رام الله.
وقد أكدت تقارير محلية في كفر مالك أن إطلاق المواشي داخل الأراضي الزراعية تسبب في أضرار بأشجار الزيتون، في منطقة تتعرض أراضيها الزراعية، وفق المصادر المحلية، لاعتداءات متكررة تشمل تخريب المحاصيل والأشجار وإطلاق المواشي والعبث بالممتلكات الزراعية.
ويختلف هذا الأسلوب في شكله عن اقتلاع الأشجار، لكنه يؤدي إلى نتيجة اقتصادية متقاربة، تتمثل في إتلاف الأصل الزراعي أو تقليل إنتاجيته ورفع تكلفة حماية الأرض والمحصول على المزارع.
الاعتداء على الزيتون ليس اعتداءً على محصول موسمي فقط
المحامي حسن مليحات – المشرف العام للمنظمة يرى أن خطورة هذه الاعتداءات لا تكمن في قيمة الثمار التي تتم سرقتها أو عدد الأشجار التي يتم اقتلاعها فحسب، بل في ان شجرة الزيتون تمثل أصلًا زراعيًا طويل الأمد؛ واقتلاع شجرة مثمرة يعني فقدان إنتاج مستقبلي، وليس محصول موسم واحد فقط. أما تكسيرها أو إتلافها فيؤثر في قدرتها على الإنتاج، في حين أن سرقة الثمار تحرم المزارع من العائد الاقتصادي الذي ينتظره من الموسم.
وتضاف إلى ذلك مشكلة الوصول إلى الأرض. فحتى عندما تبقى الأشجار قائمة، فإن منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو إخضاع الوصول إليها لقيود ميدانية يمكن أن يحول دون الاستفادة من المحصول.
وقد شهدت الأيام الأخيرة بالفعل وقائع موثقة لمنع مزارعين فلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم لقطف الزيتون؛ ففي 29 سبتمبر، أفادت وكالة وفا بأن مستوطنين، تحت حماية قوات الاحتلال، منعوا مزارعين من بلدة ديراستيا غرب سلفيت من الوصول إلى أراضيهم وقطف محصول الزيتون.
وبذلك يصبح التحدي أمام المزارع أكبر من حماية شجرة أو محصول؛ الوصول إلى الأرض، الحفاظ على الأشجار، حماية الثمار، ثم نقل المحصول والاستفادة من عائده.
سلسلة مترابطة: الأرض والشجرة والثمرة
تظهر الوقائع التي جمعتها منظمة البيدر خلال الفترة الأخيرة أن الاعتداءات تقع في نقاط مختلفة من الدورة الزراعية، لكنها تلتقي عند نتيجة واحدة تتمثل بزيادة الضغوط على قدرة الفلسطينيين على الاحتفاظ بأراضيهم واستثمارها زراعيا.
ففي بيت ريما، جرى اقتلاع الأشجار بعد صدور أمر عسكري. وفي كفر مالك، صدر أمر عسكري جديد يستهدف عشرات الدونماتالمزروعة بأشجار الزيتون، بالتزامن مع إطلاق المواشي في أراض زراعية في المنطقة نفسها. وفي جنين، استهدفت أوامر عسكرية مئات الدونمات لإزالة الأشجار والغطاء النباتي، بينما وثقت المنظمة اعتداءات على أشجار وثمار الزيتون في محيط قرية حداد وفقوعة. وفي رام الله ونابلس وجنين، وثقت المنظمة ومصادر محلية عمليات سرقة للثمار قبل وأثناء موسم القطاف.
وهكذا، لا يظهر الزيتون في هذه الوقائع باعتباره محصولا اقتصاديا فحسب، بل بوصفه جزءا من علاقة المزارع بأرضه: الشجرة تقتلع، والثمرة تسرق، والأرض تقيّد، والوصول إليها يصبح موضع نزاع.
ماذا تعني هذه الوقائع للمزارعين؟
تقول منظمة البيدر إن الأضرار الناتجة عن هذه الاعتداءات تتجاوز الخسارة المباشرة للمحصول. الاقتلاع يعني خسارة أشجار تحتاج سنوات حتى تصل إلى إنتاج كامل، بينما تؤدي سرقة الثمار إلى خسارة دخل الموسم الحالي. أما تكسير الأشجار أو إدخال المواشي إليها فيمكن أن يضعف إنتاجيتها أو يتسبب في تلفها.
كما أن تكرار الاعتداءات يرفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية على الأسر الزراعية، لأنها تصبح مطالبة بتخصيص مزيد من الوقت والموارد لحماية أراضيها ومحاصيلها، في وقت قد تواجه فيه أصلا قيودا على الوصول إلى الأرض.
وبالنسبة إلى المناطق التي يعتمد فيها السكان بصورة مباشرة أو جزئية على الزراعة، فإن فقدان الأشجار أو المحاصيل لا يعني فقدان قيمة زراعية فحسب، بل يمكن أن يؤثر في استمرارية النشاط الزراعي نفسه.
منظمة البيدر: حماية المزارع تبدأ بضمان وصوله إلى أرضه
تؤكد منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة في الضفة الغربية أن حماية موسم الزيتون لا يمكن أن تقتصر على حماية المحصول بعد قطافه، وإنما تبدأ بضمان قدرة المزارع على الوصول إلى أرضه والوصول إلى أشجاره في الوقت المناسب.
وتدعو المنظمة الجهات الدولية والحقوقية إلى متابعة أوامر إزالة الأشجار والغطاء النباتي، وتوثيق آثارها على الأراضي الزراعية وأصحابها، ومتابعة الاعتداءات التي تستهدف المحاصيل والأشجار والممتلكات الزراعية.
كما تطالب بتوفير الحماية للمزارعين الفلسطينيين، وضمان وصولهم الآمن إلى أراضيهم، والحفاظ على ممتلكاتهم ومحاصيلهم، ومتابعة الاعتداءات التي تقع خلال موسم الزيتون ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الآليات القانونية المتاحة.
وترى المنظمة أن ما يجري خلال هذه الفترة يستدعي التعامل مع الاعتداءات على الزيتون باعتبارها مسألة تتعلق بحماية الأرض والممتلكات ومصادر الرزق والوصول الآمن إلى الأراضي الزراعية، وليس مجرد سلسلة من الحوادث الزراعية المنفصلة.





